ابن أبي أصيبعة

352

عيون الأنباء في طبقات الأطباء

له فيما بينهما يا سيدي اعلم أنني قد شخت وأنا أوسم بهذه الصناعة وما عندي منها إلا معرفة اصطلاحات مشهورة في المداواة وعمري كله أتكسب بها وعندي عائلة فسألتك بالله يا سيدنا مشي حالي ولا تفضحني بين هؤلاء الجماعة فقال أمين الدولة على شريطة وهي أنك لا تهجم على مريض بما تعلمه ولا تشير بفصد ولا بدواء مسهل إلا لما قرب من الأمراض فقال الشيخ هذا مذهبي منذ كنت ما تعديت السكنجبين والجلاب ثم إن أمين الدولة قال له معلنا والجماعة تسمع يا شيخ اعذرنا فإننا ما كنا نعرفك والآن فقد عرفناك استمر فيما أنت فيه فإن أحدا ما يعارضك ثم إنه عاد بعد ذلك فيما هو فيه مع الجماعة وقال لبعضهم على من قرأت هذه الصناعة وشرع في امتحانه فقال يا سيدنا أنا من تلامذة هذا الشيخ الذي قد عرفته وعليه كنت قد قرأت صناعة الطب ففطن أمين الدولة بما أراد من التعريض بقوله وتبسم ثم امتحنه بعد ذلك وكان لأمين الدولة بن التلميذ أصحاب وجماعة يترددون إليه فلما كان في بعض الأيام أتي إليه ثلاثة منجم ومهندس وصاحب أدب فسألوا عن أمين الدولة غلامه قنبر فذكر لهم أن سيده ليس في الدار وأنه لم يأت في ذلك الوقت فراحوا ثم إنهم عادوا في وقت آخر وسألوه عنه فذكر لهم مثل قوله الأول وكان لهم ذوق من الشعر فتقدم المنجم وكتب على الحائط عند باب الدار ( قد بلينا في دار أسعد قوم بمدبر * ) ثم كتب المهندس بعده ( بقصير مطول * وطويل مقصر ) ثم تقدم صاحب الأدب وكان عنده مجون فكتب ( كم تقولون قنبرا * دحرجوا رأس قنبر ) الخفيف ومضوا فلما جاء أمين الدولة قال له قنبر يا سيدي جاء ثلاثة إلى ههنا يطلبونك ولما لم يجدوك كتبوا هذا على الحائط فلما قرأه أمين الدولة قال لمن معه يوشك أن يكون هذا البيت الأول خط فلان المنجم وهذا البيت الثاني خط فلان المهندس وهذا الثالث خط فلان صاحبنا فإن كل بيت يدل على شيء مما يعانيه صاحبه وكان الأمر كما حدسه أمين الدولة سواء وكانت دار أمين الدولة هذه يسكنها ببغداد في سوق العطر مما يلي بابه المجاور لباب الغربة من دار الخلافة المعظمة بالمشرعة النازلة إلى شاطئ دجلة وقال أمين الدولة بن التلميذ فكرت يوما في أمر المذاهب فرأيت هاتفا في النوم وهو ينشدني ( أعوم في بحرك علي أرى * فيه لما أطلبه قعرا )